أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

171

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

والجمهور على قراءة « ترجعون » مبنيا للمفعول ، وقرئ مبنيّا للفاعل حيث « 1 » جاء ، ووجه القراءتين أنّ « رجع » يكون قاصرا ومتعديا ، فقراءة الجمهور من المتعدّي وهي أرجح ؛ لأنّ أصلها : « ثم إليه يرجعكم » لأنّ الإسناد في الأفعال السابقة للّه تعالى ، فيناسب أن يكون هذا كذا ولكنه بني للمفعول لأجل الفواصل والقواطع . وأموات جمع « ميّت » وقياسه على فعائل كسيّد وسيائد ، والأولى أن يكون أموات جمع ميت مخفّفا كأقوال في جمع قيل ، وقد تقدّمت هذه المادة . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 29 ] هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 29 ) قوله تعالى : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ : هو مبتدأ وهو ضمير مرفوع منفصل للغائب المذكر ، والمشهور تخفيف واوه وفتحها ، وقد تشدّد كقوله : 324 - وإنّ لساني شهدة يشتفى بها * وهوّ على من صبّه اللّه علقم « 2 » وقد تسكّن ، وقد تحذف كقوله : 325 - فبيناه يشري . . . * . . . « 3 » والموصول بعده خبر عنه . و « لكم » متعلق بخلق ، ومعناها السببية ، أي : لأجلكم ، وقيل : للملك والإباحة فيكون تمليكا خاصّا بما ينتفع منه ، وقيل : للاختصاص ، و « ما » موصولة و « في الأرض » صلتها ، وهي في محلّ نصب مفعول بها ، و « جميعا » حال من المفعول بمعنى كل ، ولا دلالة لها على الاجتماع في الزمان ، وهذا هو الفارق بين قولك : « جاؤوا جميعا » و « جاؤوا معا » ، فإنّ « مع » تقتضي المصاحبة في الزمان بخلاف جميع . قيل : وهي هنا حال مؤكّدة لأنّ قوله : « ما في الأرض » عامّ . قوله : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ ، أصل « ثمّ » أن تقتضي تراخيا زمانيا ، ولا زمان هنا ، فقيل : إشارة إلى التراخي بين رتبتي خلق الأرض والسماء . وقيل : لمّا كان بين خلق الأرض والسماء أعمال أخر من جعل الجبال والبركة وتقدير الأقوات - كما أشار إليه في الآية الأخرى - عطف بثمّ إذ بين خلق الأرض والاستواء إلى السماء تراخ . واستوى معناه لغة : استقام واعتدل ، من استوى العود . وقيل : علا وارتفع قال الشاعر :

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 132 ) . ( 2 ) البيت لرجل من همدان . انظر أوضح المسالك ( 1 / 126 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 3 / 96 ) ، الهمع ( 1 / 61 ) ، الدرر ( 1 / 37 ) ، الخزانة ( 2 / 400 ) . ( 3 ) قطعة من صدر بيت للعجيز السلولي وهو : . . . رحله قال قائل * لمن جمل رخو الملاط نجيب انظر الخصائص ( 1 / 69 ) ، شرح المفصل لابن يعيشر ( 1 / 68 ) ، أمالي ابن الشجري ( 2 / 208 ) ، اللسان ( ها ) .